منبر التربية و العلوم و القضايا الاجتماعية و شؤون الجهة الشرقية

www.oujda-portail.com

وجدة :مدارس "تجارية" بالجملة

تهدد مستقبل المدرسة العمومية بوجدة

 

سميرة البوشاوني مديرة مكتب جريدة الاتحاد الاشتراكي بوجدة

 

لمواجهة الاستعمار الفرنسي أنشأ الوطنيون مجموعة من المدارس الخاصة بمدينة وجدة نذكر منها مدرسة "درب العربي" سنة 1947 والتي أطلق عليها فيما بعد مدرسة زيري بن عطية، مدرسة "الوحدة" التي ساهم في إنشائها الوطني الكبير احمد العربي "المدرسي" ومدرسة "الفلاح"...أنشئت هذه المدارس لتحفيظ القرآن الكريم وتلقين اللغة العربية أساسا، وذلك حفاظا عليها أمام هجوم اللغة الفرنسية والحفاظ على مبادئ الدين الإسلامي، وبالتالي الحفاظ على الهوية المغربية من خلال غرس الروح الوطنية في التلاميذ لمواجهة الغزو الثقافي والاحتلال الأجنبي. وإذا كان دور المدارس الخاصة خلال تلك الفترة دورا وطنيا تحرريا فإنها الآن تحولت إلى مدارس تجارية، أغلبها يفتقد إلى الشروط التربوية التي من شأنها المساهمة في تعليم وتعلم التلاميذ، أغلبها يدرس فيها مدرسون انسحبوا واستقالوا من مهامهم الأصلية لكي تستنزفهم الدروس الخصوصية في بعض هذه المدارس.

وقد أصبح تفشي ظاهرة الدروس الخصوصية، "السوق السوداء" كما كان يطلق عليها المرحوم عبد الرحمان شناف، بمدينة وجدة كغيرها من المدن المغربية يطرح مشاكل كثيرة، من بينها عدم التكافؤ بين التلاميذ واستنزاف جيوب الآباء، زيادة على اعتماد بعض التلاميذ على الأساتذة الخصوصيين في تحضير الواجبات المدرسية. مؤسسات تعليمية "تجارية" تتناسل وتنتشر كل يوم لتعم أرجاء المدينة، أصحاب مدارس، أغواهم الربح السريع والإقبال المتزايد على مدارسهم، فلجئوا إلى إنشاء فروع لها، وأخرى تفتح أبوابها لأول مرة مع بداية كل موسم دراسي، تعتمد في نشاطها "التجاري" بالدرجة الأولى على الدروس الخصوصية والرفع من هامش الربح دون مراعاة لما تستوجبه المنظومة التعليمية، ويتم الاعتماد في إنجاح هذا الأمر وتحقيق الغاية المرجوة على أساتذة مختصين في الميدان، هؤلاء الذين وجدوا الدروس الخصوصية سبيلا ميسرا ومجالا خصبا لاختصار الطريق من أجل الحصول على الامتيازات المادية. تلاميذ من مختلف المستويات التعليمية منهم من يتعامل مع الدروس الخصوصية كـ"موضة" متبعة أو تقليد لبعض زملائهم  أصبح أمر الدروس الخصوصية مفروض عليهم مع توالي الإضرابات، وتهاون بعض الأساتذة في القيام بواجبهم التعليمي والتربوي، وتعامل البعض منهم بنوع من التكبر واللامبالاة وعدم تقديم الدعم الكافي للتلاميذ أمام وقوفهم عند نقطة معينة غير مفهومة، إضافة إلى اكتفاء بعضهم بالحضور إلى المؤسسة التعليمية من أجل إثبات الحضور فقط.

نوع آخر من الأساتذة يبذلون قصارى جهودهم داخل القسم في بداية السنة الدراسية وذلك من أجل كسب ثقة التلاميذ وبالتالي جمع أكبر عدد ممكن من المنخرطين في الدروس الخصوصية، يستقبلون التلاميذ في منازلهم بالليل، وفي النهار يوزعون وقتهم بين التدريس بالمؤسسة العمومية والانتقال من منزل لآخر ومن مؤسسة لأخرى لإعطاء الدروس. دروس ليلية وأيام الأحد وتلاميذ بدون تأمين، وآخرون يندبون حظهم أمام غياب إمكانيات مادية تيسر لهم الحصول على الدروس كباقي زملائهم ويحاولون بذل كل الجهود من أجل مسايرة الدروس والحصول على نقط مهمة.

أسر تدفع أموالا طائلة من أجل تحسين مستوى أبنائها، والأثمنة تختلف من مؤسسة لأخرى وحسب نوع "الخدمات" المقدمة فمثلا الثمن المؤدى عن الدروس الفردية في المنازل، يتراوح بين 500 و1000 درهما للمادة الواحدة وأحيانا يتعداها. هناك أيضا ما يعرف بالمجموعات المغلقة والتي تتكون من 10 أشخاص من نفس المستوى يدفع كل واحد منهم مبلغا يتراوح بين 300 إلى 400 درهما. أما فيما يخص أثمنة الدروس الجماعية فتختلف حسب المستويات الدراسية إذ تتراوح بالنسبة لتلاميذ الإعدادي من 70 إلى 120 درهما وبالنسبة لتلاميذ الثانوي من 120 إلى 150 درهما للمادة الواحدة، ويصل عدد التلاميذ في القسم الواحد ببعض المؤسسات ذات الطابع التجاري بمدينة وجدة إلى 30 أو 35 تلميذا في القسم، وأحيانا كثيرة لا يجد التلاميذ مقاعد شاغرة فيلجأون إلى الجلوس أرضا ومع ذلك يقال بأنهم يستوعبون الدروس جيدا والمؤسسة تكتسب شهرة، كيف لا والتلاميذ يتلقون الدروس وهم يجلسون القرفصاء!! .

مجازون معطلون بمدينة وجدة، بعد أن يئسوا من انتظار الوظيفة، استثمروا مقوماتهم المعرفية ودخلوا مجال التدريس من أجل الحصول على المال وتحسين وضعيتهم المادية لا أكثر ولا أقل، (ا.ب) من هؤلاء المعطلين الذين وجدوا ضالتهم في الدروس الخصوصية، يقول بأنه دخل الميدان، وهو يتابع دراسته الجامعية، "مرغما لا بطلا" حتى لا يصبح أكثر عالة على المحيط الذي يعيش به كونه لم يكن يتوفر على منحة جامعية، يعطي دروس التقوية في مختلف المواد لطفلين يتابعان دراستهما بالتعليم الخصوصي منذ 7 سنوات وهي عملية –يقول- تجاوزت دروس التقوية لتصبح مسؤولية تتبع يقوم بها محل الأبوين، إضافة إلى هذين الطفلين يعطي دروس لمجموعة أخرى من التلاميذ ينحدرون من أسر متوسطة الحال في منازلهم مقابل 200 درهما للتلميذ في الشهر.

أحد الآباء يرى بأن الدروس الخصوصية كارثة تستنزف جيوبهم وتتخذ كوسيلة لابتزاز التلاميذ، وبصفته أب وأستاذ فإنه يندد بهذه الظاهرة ذات الأبعاد التجارية الصرفة، خاصة وأن الكثير من نساء ورجال التعليم يهملون واجبهم داخل الأقسام ولا يقومون بأي مجهود يذكر وينبهون تلامذتهم أن كل من أراد أن يحصل على نقط وأن يستوعب الدروس  والتمارين فما عليه إلا أن يلتحق ب"الكراج" المخصص لهذا الغرض. والمؤسف أن بعض الأساتذة الذين يضربون، ولا يهم من دعا إلى لإضراب، يضربون عن العمل في المؤسسات التعليمية التابعين لها ولكنهم في مقابل ذلك يهرولون وينتقلون من دار إلى دار ومن كراج إلى كراج لإعطاء الساعات الخصوصية. وهناك الكثير من اغتنى على حساب التلاميذ وعلى حساب إهمال واجبهم داخل المؤسسات التعليمية.

منازل، كراجات، جمعيات مدنية ومؤسسات تتستر وراء التعليم الأولي لإعطاء الدروس، جمعيات إسلاموية بدورها فتحت أبوابها من أجل استقطاب "مريدي" الدروس الخصوصية من تلاميذ الطبقة الفقيرة والمعوزة وجعلت من فضاء بعض  المساجد مجالا لإلقاء الدروس في مختلف المواد بالمجان لأغراض لا تخفى على أحد...                                                                        

الرجوع