منبر التربية و العلوم و القضايا الاجتماعية و شؤون الجهة الشرقية

www.oujda-portail.com

مركز الاستماع بإعدادية الجاحظ بوجدة

مبادرة إنسانية فجرها الواقع التربوي الحالي  

سميرة البوشاوني

 في بادرة تعد الأولى من نوعها بمدينة وجدة، تم خلق مركز للاستماع بثانوية الجاحظ الإعدادية بهدف التواصل مع التلاميذ ودراسة مشاكلهم ومحاولة إيجاد حلول للمعيقات التي تؤثر على مسيرتهم الدراسية، والتخفيف من حدة الهدر المدرسي وتمكين التلاميذ من التحصيل والتفوق في ظروف تطبعها الثقة المتبادلة والأخذ بعين الاعتبار الظروف الاجتماعية والنفسية لكل واحد منهم،  وفتح المجال أمامهم لتفجير طاقاتهم الإبداعية والتعبير عن آرائهم بكل حرية...

وجود فضاء للداخلية بالمؤسسة المذكورة يحتضن 252 تلميذة 12 منهن من الجمعية الخيرية الإسلامية، وتلميذات ينحدرن من الأحواز والهوامش من وسط قروي يتخبط في الفقر المدقع ويعرف وقوع مآسي ومشاكل عدة نتيجة التفكك الأسري وانعدام الأم والأب، زيادة على عوامل أخرى ساهمت خلال السنوات الماضية في زيادة نسبة الهدر المدرسي بهذه المؤسسة وتنامي بعض الممارسات اللاأخلاقية، دفع بمديرها الأستاذ عبد الوهاب عيشي بمعية مجلس التدبير وبعض الأساتذة إلى العمل على رصد مختلف الظواهر وخلق مركز للاستماع، يكون ملاذا للتلميذات -الداخليات بالأخص- يشرف عليه أشخاص يقدرون المسؤولية ويملكون الصدر الرحب، ولديهم الرغبة في التواصل مع التلميذات وتشخيص أوضاعهن الاجتماعية، ودراسة مدى انعكاس هذه الأوضاع على السير العادي لتحصيلهن الدراسي وتأثيرها على سلوكياتهن اليومية، خاصة وأنهن في سن حرجة بحاجة للمراقبة والتوجيه السديد...

بعد التشخيص ومعرفة الحقائق والمسببات وعلى رأسها انعدام التنسيق بين الأسرة والمؤسسة، أوكلت مهمة الإشراف على تسيير المركز إلى الأستاذة ربيعة مغيوس (أستاذة اللغة الفرنسية)، هذه الأخيرة باركت الفكرة ووافقت على خوض التجربة، خاصة وأنها، وبفعل احتكاكها اليومي والدائم مع التلميذات وتواصلها معهن، استطاعت كسب ثقتهن ومحبتهن، تقصدها التلميذة من أجل حل مشاكلها وتقديم الدعم والمساعدة لها في حالة المرض... فالتلميذات بحاجة للدعم النفسي والتربوي، بحاجة إلى التعاطف والإنصات بعناية واهتمام إلى مشاكلهن، إذ وعلى الرغم من الأوضاع المتردية التي يعشنها، إلا أن مجرد الاستماع إليهن يرفع معنوياتهن ويدفعهن إلى تغيير سلوكياتهن وينعكس ذلك حتى على مردوديتهن في الدراسة...      

 وقد أخذت الأستاذ ربيعة، التي خضعت لدورة تكوينية حول تقنيات الاستماع في يوم دراسي حول "المرأة والتنمية بالجهة الشرقية" بتاريخ 26 مارس 2006، على عاتقها مسؤولية الإشراف على المركز وتطوير آليات العمل، تضحي بوقت فراغها من أجل تقديم المساعدة للتلميذات ودراسة الإشكالات وإيجاد حلول لها، وأيضا دراسة بعض الحالات من خلال التوصل بمجموعة من الرسائل من التلميذات تحكي عن معاناتهن اليومية داخل المؤسسة، وتقوم إدارة المؤسسة بفتح بابها أمام المتضررين منهن لطرح مشاكلهن وممارسة حقهن بكل حرية مع الأخذ بعين الاعتبار عدم التدخل في مهام الأساتذة...

 وتقول الأستاذة ربيعة بأن فكرة إنشاء مركز للاستماع جاءت لتنضاف إلى قنوات التواصل الثلاث المتمثلة في الأسرة، المؤسسة والمجتمع وجعله قناة رابعة ومصححة لضبط سلوك التلاميذ، فالمؤسسات التعليمية تضم تلاميذ يعيشون ظروفا قاهرة، لذا يجب أن تتوفر كل مؤسسة على مركز للاستماع بصفة رسمية يخصص له أشخاص خاضعين لتكوين مدروس لأن المجتمع بحاجة للمتابعة خصوصا بالنسبة للمراهقين، وتوفير جو من الثقة يشجع التلاميذ، إناثا وذكورا، على البوح بأسرارهم، حتى الحميمية منها، للتمكن من إنقاذهم قبل استفحال الأمر من السقوط في الرذيلة والانغماس في عالم التدخين والتعاطي للمخدرات وغيرها من الآفات...

ويرى عبد الوهاب عيشي مدير المؤسسة بأن تلميذات الداخلية بحاجة للاهتمام والعناية الكاملة والكافية والتشبع بالغذاء المعرفي والتربوي والقيام بأنشطة تجعلهن مرتبطات بالمؤسسة لا يخرجن منها حتى لا يقعن فريسة للانحراف، وهو الأمر الذي تأتى بعد إنشاء مركز الاستماع حيث أصبحت التلميذات أكثر اتزانا ووعيا، تحبذن البقاء داخل فضاء الداخلية واستغلال وقت فراغهن في العمل بمجال بيئي تم انجازه بالمؤسسة، كما أن هناك تلميذات يمتلكن الموهبة ولكن بحاجة إلى فسح المجال والتأطير الجيد لتفجيرها، لذلك يوظف السيد المدير فكرة مركز الاستماع لصالح التلميذات لأنه قد يعطي مواطنا صالحا يخدم وطنه...

وإلى ذلك يمكن القول بأن مركز الاستماع بالثانوية الإعدادية الجاحظ بدأ يعطي ثماره نظرا للدور الجد فعال الذي يقوم به، إذ تم التغلب على مجموعة من المشاكل التي كانت تتخبط فيها فتيات الداخلية، وتمكن عدد منهن بفعل ذلك من متابعة دراستهن، وانخفضت نسبة الهدر المدرسي هذه السنة إلى 0.1% مقارنة مع السنوات الثلاث الماضية، كما تم القضاء على ظاهرة كانت تعرفها المؤسسة والمتجلية في قدوم مجموعة من السيارات لاستغلال الفتيات عند خرجهن من المؤسسة، ومن أجل تكافؤ الفرص في مجال التحصيل  وتمكين التلاميذ الفقراء من مسايرة الركب التربوي، يتم تقديم دروس الدعم في إطار بيداغوجية الدعم والتقوية -يقول مدير المؤسسة- "ليس من أجل تشجيع دروس التقوية وإنما من أجل مواكبة التحصيل الدراسي وتكافؤ الفرص بالنسبة للجميع، لأن الميثاق يهدف إلى تكافؤ الفرص وجودة التعليم وتمتيع التلميذ المغربي بنفس الحظوظ..."

هذا وتعمل إدارة المؤسسة على أن يكون هناك نسق تفاعلي بين مركز الاستماع وجمعية قدماء تلاميذ الجاحظ، المتكونة من الأطر التي درست بالمؤسسة، وجمعية آباء وأولياء التلاميذ وجمعيات المجتمع المدني من أجل الاهتمام بالداخلية وبالمجال التحصيلي التربوي وفق برامج ومشاريع تقيم في آخر السنة، لأن المؤسسة عرفت السنة الماضية نسبة تكرار كبيرة يجب تداركها، زيادة على تقييم نسبة التلميذات الداخليات المتفوقات واللواتي يجب أن يذهبن للتحصيل على تعليم جيد بالثانوي والجامعي أيضا...

وجدير بالذكر أن مركز الاستماع بالثانوية الإعدادية الجاحظ قد أنشأ منذ سنة تقريبا وخصص له فضاء صغير وآليات متواضعة انطلق بالبحث عن المجالات التي يمكن العمل عليها، وتقييم أسباب الفشل المدرسي من خلال جرد لأهم المسببات بالتنسيق مع جمعيات المجتمع المدني، وإقامة علاقات مع أشخاص من خارج المؤسسة من بينهم أطباء نفسانيين لتقديم المساعدة في حال وقوع مشاكل معينة. كل ذلك في انتظار أن تقدر الجهات المعنية قيمة هذا العمل وتقوم بتشجيعه عن طريق جعل هذه المراكز، والتي أضحت ضرورة ملحة وحتمية لا يمكن الاستغناء عنها، مستقلة بكل مؤسسة، وأن يوضع لها برنامج عمل طول السنة للتمكن من التوفيق بين ما هو تربوي داخل القسم وما هو تربوي خارج القسم...

الرجوع