منبر التربية و العلوم و القضايا الاجتماعية و شؤون الجهة الشرقية

www.oujda-portail.com

الأستاذ الباحث في علم النفس الإجرامي عبد القادر فيلالي للاتحاد الاشتراكي

"توفر كل ولاية أمنية على أخصائي نفسي سيقلص العديد من مشاكل رجال الأمن"

" حينما أتحدث مثلا عن حقوق الإنسان بالمغرب ووجوب تدريسها في مادة التربية الوطنية بالمدارس، كذلك يجب تدريسها للأسلاك الأمنية "

 حاورته: سميرة البوشاوني

ارسلته للمنارة بتاريخ 20/08/2007

من عين بني مطهر إلى ولاية تكساس الأمريكية ومنها إلى الكويت، رحلة شاب معطل تجرع مرارة العطالة وظروف العيش القاسية في وسط لا يملك في الحياة سوى لقمة العيش اليومية، لكن مع الإرادة والتفاؤل بالمستقبل كانت الاستمرارية ومواجهة الحياة، ليس بيدين مكتوفتين وإنما بالسعي وراء كسب القوت مرة باستغلال قوة اليدين ومرة أخرى بما كسبه من خبرة وتعلم في اللغة الإنجليزية هذه اللغة التي كانت سببا في تحويل مسار حياته من عون سلطة "مقدم" العمل الوحيد التي تمكن من الوصول إليه بالمغرب إلى مستشار نفسي في المدرسة الأمريكية بدولة الكويت، إنه عبد القادر فيلالي شاب في السادسة والثلاثين من العمر حاصل على ماجستير الاستشارات النفسية من جامعة واشنطن الدولية تخصص علم النفس الإجرامي وهو من التخصصات النادرة جدا في الوطن العربي-حسب الأستاذ فيلالي-، وحاصل على دبلوم في الاستشارات النفسية من معهد العلاج الطبيعي بلندن، خضع لدورات تكوينية في كل من لندن، مانشستر ودبي، قام بعدة أبحاث في مجال علم النفس الإجرامي منها بحث ميداني بولاية أريزونا حول "الاستشارات النفسية داخل المؤسسات السجنية المتعددة الثقافات- الولايات المتحدة الأمريكية نموذجا-"، بحث حول "تحديد تشخيصي لهوية قادة الدول" كما يقوم حاليا بإنجاز بحث حول "الأمن المغربي من منظور نفسي"والتحضير لرسالة الدكتوراه في علم النفس الإجرامي، يشتغل حاليا كمستشار نفسي بالمدرسة الأمريكية بالكويت ومنسق مكتب الجالية المغربية المقيمة هناك، التقينا به فكان لنا معه الحوار التالي:

 

حاورته: سميرة البوشاوني

 

سؤال: قلتم بأن علم النفس الإجرامي هو تخصص نادر، هل يمكنكم إعطاءنا نبذة عن هذا التخصص؟

جواب: علم النفس الإجرامي هو علم ظهر في الولايات المتحدة الأمريكية نظرا لغرابة الجرائم التي تقع هناك، والقضايا المتشابكة التي اتخذت في بعض الأحيان منحى عجزت الإدارات الأمنية في معالجتها. وقد كانت البوادر الأولى لتزاوج -إن صح التعبير- علم النفس الإجرامي مع الاستخبارات الأمريكية أو مأسسته منذ الحرب العالمية الثانية حينما قام أخصائي أمريكي في علم النفس آنذاك اسمه "جيرالد بوست"، قام بدراسة لأدولف هتلر كيف يفكر؟ ما هي نزواته؟ ما هي اهتماماته؟ هواجسه، رغباته... وتم رفع هذا التقرير آنذاك إلى خدمة الاستخبارات الأمريكية، وإلى حدود سنة 1960 قامت أمريكا بمأسسة هذا القطاع وجعلت بعض الأخصائيين يدخلون في الاستخبارات لمساعدتهم في حل القضايا الشائكة، وعلم النفس الإجرامي ليس منحصرا فقط على الجريمة بمفهومها وإنما متعلق بمعرفة وتحديد هوية الزعماء السياسيين، و يمكن لرجل علم النفس الإجرامي إذا وضع أمامه الأرشيف أن يقلب موازين بعض القضايا، ويقوم بتحديد هوية مرتكبي جرائم وقعت منذ 30 أو 40 سنة، وأنا هنا لا أتحدث عن علم الإجرام المتواجد ولدينا كوادر وأطر عليا في هذا التخصص بالمغرب، لكن علم النفس الإجرامي من التخصصات النادرة جدا في عالمنا العربي...

سؤال: ولماذا اهتمامكم بعلم النفس الإجرامي، وعلى ماذا ارتكزت أهم الأبحاث التي قمتم بها في هذا الصدد؟

جواب: اهتمامي بعلم النفس الإجرامي لسبب بسيط جدا هو تعاطفي الكبير مع أصدقاء وأناس من بلدتي (عين بني مطهر) كانوا ضحية العديد من الجرائم، فأردت الغوص في عقلية هذا "المنحرف" ولن أقول المجرم لأن هذا المجرم أو المنحرف يمكن أن يكون أخي أو صديقي أو عمي أو جاري أو...أو... وبالتالي فنحن من نفرز المجرمين والمنحرفين عبر العديد من الممارسات منها التهميش، الاحتقار داخل المجتمع، نعت الإنسان بنعوتات تجعل في نفسه العديد من التراكمات، هذه التراكمات التي بين الفينة والأخرى تنفجر ونتيجة هذا الانفجار قد تكون جريمة من هذا النوع أو من ذاك... وقد قمت بعدة أبحاث في هذا الإطار الأول حول "الاستشارات النفسية داخل المؤسسات السجنية المتعددة الثقافات" ارتكزت فيه على ثلاثة "مجرمين" من ولاية أريزونا الأمريكية كان الاتصال معهم مباشرا، وما أثار استغرابي أثناء إنجاز هذا البحث هو أنه من بين 2000 سجين بالسجون الأمريكية هناك 500 مختلا عقليا أي ما يعادل 25%. أما البحث الثاني فيتعلق ب"تحديد وتشخيص هويات الزعماء السياسيين أو قادة الدول" وهو عبارة عن تقرير ودراسة علمية جدا مرتكزة على مقياس هيرمن لتقييم الشخصيات عن بعد ويعتمد على المقياس المفاهيمي المركب سواء مرتفع أو منخفض، وهيرمن هذا قام بدراسة وتقييم لرؤساء وزراء بريطانيا من 1945 حتى 2005، أما البحث الذي أشتغل عليه حاليا فهو بحث مطول بحاجة إلى أرشيفات موضوعه "الأمن المغربي من منظور نفسي" سوف أستعين فيه بقضية وقعت بعين بني مطهر خلال فترة السبعينيات، وأنا الآن في اتصال مع المحكوم عليه في هذه القضية والمفرج عنه حاليا وسوف يساعدني في إعطاء التوطئة الأولى لهذا البحث.

سؤال: ما هو تقييمكم لواقع المنظومة الأمنية ببلادنا، من خلال تخصصكم والبحث الذي أنتم في صدد إنجازه؟

جواب: التركيز على المنظومة الأمنية في المغرب وما تشهده من تحديات والتحدي الأكبر حاليا هو الإرهاب، يجعلنا أمام مجموعة من التساؤلات: هل منظومتنا الأمنية في مستوى تحديات الإرهاب العالمي في ظل وجود رجال أمن يدمجون عن طريق "الزبونية"؟ وهل الأطر الأمنية المغربية في مستوى مجابهة هذا الإرهاب؟ ويؤسفني أن نرى في حياتنا العادية بعض رجال الشرطة مدمنين على المخدرات بشكل لا يليق برجل الأمن، فحينما أرى رجل الأمن، لا أتحدث فقط على رجال الشرطة بل أتحدث عن رجال الدرك والقوات المساعدة لأنهم يساهمون في العملية الأمنية، يجب أن أرى التنمية، أن أرى الديموقراطية، الاطمئنان، يجب أن أرى الحريات، يجب أن أرى الاستقامة...

وحتى نكون في مستوى هذا التحدي وتحديات أخرى يجب اختيار شباب مؤهل وكفء حين إجراء مباريات أسلاك الأمن والتركيز على الامتحان النفسي، وأن لا ينحصر دور الأخصائي النفسي على الامتحانات النفسية بل يجب أن يطول دوره ليصاحب المتدرب خلال فترة التكوين والمراقبة والمعالجة النفسية، وأن يكون له دور ورأي أساسي في عملية الانتقاء حين التخرج،  والأخذ بعين الاعتبار تقرير الأخصائي النفسي، لأنه من المؤسف مثلا، وحسب ما أتوفر عليه من معلومات، أن الجهة الشرقية عرفت 10 حالات انتحار في صفوف رجال الشرطة من سنة 2000 إلى 2007، وهنا فكرت لم لا يتم خلق خلايا للتكوين النفسي المستمر في كل ولايات الأمن وكل القيادات الجهوية للدرك الملكي والقوات المساعدة، بمعنى أن تتوفر كل ولاية أمنية على أخصائي نفسي يتواصل مع الموظفين، يهتم بقضاياهم، يستمع إليهم ويرشدهم ويعالجهم وهذه المسألة سوف تقلص العديد من المشاكل لأن أغلب عمليات الانتحار أسبابها مادية أو متعلقة بالسلم الإداري و"الحگرة" من قبل الرؤساء، وفي بعض الأحيان مشاكل عائلية وساعات العمل الطويلة التي ترهق بطبيعة الحال. هذا كله منصب في خانة واحدة إن أردنا أن نصلح المنظومة الأمنية يجب أن نصلحها بشكلها البنيوي الكامل، يجب تكوين رجل الأمن عن طريق إجراء دورات تكوينية وتدريسية لإطلاعه على المستجدات وتأهيله ليكون مستعدا لمواكبة التحديات الاقتصادية الكبرى العالمية، فهل منظومتنا الأمنية على استعداد لاستقبال 10 ملايين سائح في أفق 2010؟ وفي هذا الإطار هل رجل الأمن يتقن اللغات الفرنسية والإنجليزية مثلا؟ وهل رجل الأمن في مستوى العولمة؟ كل هذه المعطيات تجعلنا نركز على العنصر الأمني، وبطبيعة الحال لكي لا نكون مجحفين، يجب تحسين وضعيته المادية على الخصوص حتى يكون في منأى عن الوقوع بمستنقع الرشوة، ومنح الفرص للأطر والكفاءات العالية التي تتوفر عليها الإدارات الأمنية وتحفيزهم لخدمة الوطن والمواطن...

سؤال: وما هي أهم النقاط التي سترتكز عليها في هذا البحث أي "الأمن المغربي من منظور نفسي"؟

جواب: سوف أرتكز على التحول الذي عرفه الجانب الأمني بالمغرب ومدى انعكاسه على نفسية المواطن المغربي، كيف يرى الأخصائي النفسي المنظومة الأمنية، هل هي منظومة متكاملة؟ الهفوات التي وقعت في الماضي، وسوف أستعين بهذه الأخيرة وأرتكز عليها، بعد ذلك الطرح الجديد، حينما أتحدث مثلا عن حقوق الإنسان بالمغرب ووجوب تدريسها في مادة التربية الوطنية بالمدارس، كذلك يجب تدريسها للأسلاك الأمنية التي يجب أن تعي ما وصل إليه المغرب من تحديات، فرجل الأمن يجب أن يكون في مستوى المهمة المنوطة به كما يجب إعادة هيكلة العديد من الأقسام داخل الإدارة العامة للأمن الوطني والدرك الملكي والقوات المساعدة أيضا.

سؤال: وفي هذا السياق هل قمت بزيارات لبعض ولايات الأمن والسجون بالمغرب، وكيف استقبل المسؤولون هذه الفكرة؟

جواب: نعم، قمت السنة الماضية بزيارة لولاية أمن وجدة وحظيت بلقاء والي الأمن السيد عبد الله بلحفيظ وأطلعته على البحوث التي قمت وأقوم بها وشجعني على مواصلة العمل، كما قدمت البحث الذي قمت به في سجن أريزونا لمدير السجن المحلي بوجدة خلال زيارة ميدانية للسجن سنة 2006 وقمت بجولة للسجن وتفاجأت، نعم هناك بعض النقاط السوداء التي يجب الوقوف عندها وخاصة تأهيل الإطار الأمني داخل السجون، لكنني تفاجأت للترتيب والمستوى الذي تحولت إليه السجون المغربية، والدور الذي تلعبه مؤسسة محمد السادس لإعادة إدماج السجناء وخلية الرعاية اللاحقة التي تم وضعها وأتمنى أن تؤطر الخلية بشكل كبير حتى تكون هناك مصاحبة نفسية ومهنية للسجناء. وانتقلت إلى الإدارة العامة للسجون حيث استقبلت استقبالا جيدا من طرف المدير العام للسجون ووضعت بين يديه البحث الذي قمت به وأبدى اهتماما بالغا به لدرجة أنه عرض علي فكرة العمل معهم في الإدارة العامة للسجون، ومؤخرا كنت متواجدا بمدن الدار البيضاء، الرباط، ومكناس في نفس الإطار، وزرت أيضا مقر ولاية الجهة الشرقية على أمل لقاء والي الجهة إلا أنني لم أتمكن من ذلك لحد الآن...

سؤال: قبل توجهك إلى دولة الكويت كانت بدايتك بالولايات المتحدة الأمريكية هل يمكنك التحدث عن هذه البداية؟

جواب: سفري إلى أمريكا جاء نتيجة حصولي على عقد عمل من شركة أمريكية من ولاية تكساس اشتغلت معها بعين بني مطهر كمترجم في إطار مشروع أنبوب الغاز الذي كانت تديره شركة اسبانية بشراكة مع شركة فرنسية وبعد أن عرفوا وضعيتي قرروا مساعدتي وبالفعل بعثوا لي بعقد عمل والتحقت إلى ولاية تكساس حيث عملت معهم لمدة 6 أشهر، بعد ذلك خيروني بين الذهاب إلى الدنمارك أو كولومبيا أو الكويت فاخترت العمل بالكويت بحكم أنها دولة عربية، وبالفعل انتقلت إلى الكويت حيث اشتغلت مدة 6 أشهر كمشرف على عمليات التنقيب على البترول في حقول الشمال، إلى أن التقيت خلال حفل عشاء أقامته الشركة بمدير الجامعة الأمريكية بالكويت، في حديث بيننا سألني أين درست الانجليزية فأخبرته بأنني درستها بالمغرب، وفي لقاء معه عرض علي وظيفة بالجامعة الأمريكية حيث عملت لمدة ثم انتقلت للعمل بالمدرسة الأمريكية بالكويت.

سؤال: وما هي طبيعة عملك بالمدرسة الأمريكية؟

جواب: العمل كان هو تدريس طلبة يعانون إعاقات ذهنية سنهم تتراوح ما بين 16 و21 سنة، بعد ثلاث سنوات من التدريس عينت منسقا لبرنامج بريطاني داخل المدرسة أطلق عليه "كيف باستطاعتنا"، هو برنامج فريد من نوعه في دول الخليج والشرق الأوسط ويهدف بالأساس إلى مصاحبة نفسية ومهنية للأطفال ذوو الاحتياجات الخاصة، كيف يمكنهم تسيير مشاريع مادية بأنفسهم وتسيير حياتهم باستقلالية تامة عن طريق العمل على بث الثقة في النفس وجعلهم منتجين ومخلقين داخل المجتمع، لذلك فنحن نقتحم بهم القطاع العام والمؤسسات الخاصة في دولة الكويت لتشغيلهم ونقوم بمراقبتهم في أماكن شغلهم ونقف عن قرب على طريقة قيامهم بأعمالهم هل يمكن الاعتماد عليهم؟ وهذه المنهجية جعلت من هؤلاء الأطفال أكثر استقلالية وهذا شيء إيجابي جدا، واحتكاكي مع هؤلاء الطلبة هو الذي جعلني أهتم بعلم النفس وأقوم بتداريب وأبحاث في هذا الشأن ت