منبر التربية و العلوم و القضايا الاجتماعية و شؤون الجهة الشرقية

www.belbachir.ift.fr

ـ فــي الثقــافة المدرسية ـ

* محمد بوبكري *

        يكمن أحد العيوب الأساسية للتربية في محاولة بعضهم تعليم كل شيء، حيث ينجم عن ذلك أن المتعلم، في نهاية المطاف، لا يكاد يعرف شيئا. ولا يتوقف الأمر عند هذا الحد، بل إنه يعتمد، بشكل آلي، على ذاكرته لتجميع الكثير من الأرقام والأحداث والتواريخ...، الأمر الي يحول دون معرفته لشيء مفيد يكتسب به "ثقافة" بالمعنى السليم. يرى "ماكس شلير" أن المثقف ليس هو ذلك الإنسان الموسوعي الذي يستطيع القيام بالحسابات الخاصة ببناء جسر، ولا الفلكي، الذي يمكن أن يتنبأ بلحظة خسوف قبل قرن من الزمن، كما أنه ليس هو الفرد الذي يعرف الفارق بين قياس الضغط الجوي وقياس درجات الحرارة...فأولئك جميعا خبراء وموسوعيون في تخصصاتهم العلمية، وهم أناس مرموقون، لكنهم ليسوا بالضرورة أشخاصا مثقفين. وإذا كانوا كذلك، فإن هذا ليس راجعا إلى ما يكتسبونه من معارف مرتبطة بتخصصاتهم، وإنما يعود إلى امتلاكهم لصفات أخرى يتميز بها المثقف. فمن هو إذن ذلك المثقف؟ إنه ذلك الشخص القادر نسبيا على إدراك الواقع والتحكم فيه وتقييمه... فليست الثقافة هي قدرة المرء على تجميع المعلومات ومراكمتها، وإنما هي نوعية الإنسان. إننا لا نرمي من وراء هذا الكلام إلى إلغاء مواد دراسية مثل الرياضيات والفزياء.. من مناهج التعليم وبرامجه، بل إننا نرى ضرورة تدريسها لجميع التلاميذ بمفهوم آخر وعلى نحو آخر... فلا يجب تدريسها للجميع بهدف تكوين مهندسين وأخصائيين مستقبلا، بل إن ذلك متروك لكليات ومدارس ومعاهد متخصصة. وهكذا، ينبغي تدريس هذه المواد الدراسية لكي تساهم في تشكيل ثقافة بالمعنى الذي قصده " شيلر" إنه من الممكن لتدريس الجغرافيا أن ينطوي على الكثير من الدرامية لو ارتبط بالتقلبات التي يعرفها الإنسان ، وبما يواجهه من أخطار قاتلة، وبصراع الأجناس، وغزو البحار والأراضي، وبالتاريخ...،أي بالإنسان في ملحمته الأدبية ضد قوى الطبيعة الجبارة... وتبعا لذلك، تكتسب الجغرافيا معنى نتيجة ربطها بتاريخ الجنس البشري. وهذا ما يحول دون تحويلها إلى مجرد مجموعة أرقام وأسماء مدن ومواقع وجبال وبحار ...، لا تنطوي على أية مغامرة إنسانية حية مثيرة، ويتم نسيانها من قبل المتعلمين بسرعة . يستهوي الإنسان عموما، والشاب خصوصا، كل ما يتصل بأهواء الجنس البشري وتحولاته، حيث إن تعلم الظواهر الجغرافية من خلال مغامرات مكتشفين كبار، يجعلها تبقى محفورة في ذهن الإنسان بشكل لا ينمحي، وبصورة وجودية لا معلوماتية. إنه من الممكن أن يتعلم الشاب كثيرا من قراءة "رحلة حول العالم في ثمانين يوما" أو نصوص روائية أخرى، ولن يكتسب فقط معارف خاصة بالجغرافيا والأعراق، بل يطلع على مجمل الثقافة باعتبارها مغامرة الفكر الساحر للإنسان وخياله وإرادته، حيث اخترع النار واللغة والعلوم، وأبدع الفنون والآداب والفلسفة... وبهذا لن يراكم المتعلم معلومات ميتة في شكل قوائم أسماء وتواريخ ومعارك وغزوات وجبال...، وإنما سيكتسب مناهج تفكير، وسيدرك تطور المعرفة البشرية ومعناها من خلال اكتشافه لمعجزة الإنسان الحية المثيرة في صراعه ضد قوى الطبيعة، وصموده في وجه كل أنواع الفشل المادي والروحي.إن المعاني لا تنسى، فهي تترسخ في ذاكرتنا وتحدد طريقة رؤيتها للعالم الذي نعيش فيه، كما أنها تلعب دورا كبيرا في صياغة شخصية التلميذ..

الموسوعية حمل ثقيل على النفس، كما أن كل ما ندرسه من تفاصيل يتسرب من ذاكرتنا. وهكذا، فليست الفائدة من تعليم كل شيء، وإنما في تعلم بعض المعارف الأساسية دون إغراق المتعلمين في التفاصيل. فالتعلم سيرورة لا نهاية لها، والإنسان المثقف هو ذلك الذي يعرف أنه لا يعرف، وأن ما يكاد يعرفه هو مجرد جزء صغير من قارة شاسعة مملوءة بأسرار وألغاز يغلفها الضباب، وأن الجواب على سؤال يطرح عليه دواما طرح أسئلة عديدة أخرى، وأن تسليط الضوء على شيء مجهول يجعله يكتشف باستمرار وجود أشياء كثيرة ما تزال مجهولة ... وهكذا، يجب الاقتصار على تعلم بعض المبادئ والمفاهيم الأساسية ...،وترك التفاصيل للأخصائيين. يمكن، مثلا، تدرس المبادئ التي تنهض عليها الفزياء، لأنها الشيء الوحيد الذي يمكن أن يحظى باهتمام إنسان مثقف. وهي مفيدة، لأنها تساعد على تكوين ما ينبغي أن يتوفر من رؤية للعالم لدى إنسان من هذا المستوى.

وفوق ذلك، إن الموسوعية والدقة الصارمة خطران منتشران في العالم كله. وإذا كان التجريد من خصائص العلوم الدقيقة، فإن تدريس الرياضيات الأولية بطريقة جد تجريدية يغرس في المتعلم عقلية تجعله يتخلى يوما بعد يوم عن إنسانيته. يرى أرسطو أنه ليس هناك علوم إلا بما هو عام، لكن بما أن العام يستغني عن الخاص، الذي هو الملموس، فإن تقدم المعرفة العلمية يجعلها تصير أكثر تجريدا، وأبعد عن المدركات العيانية والملموسة التي أفادتنا في تطورنا البشري. إنه لا محيط، فعلا، عن الاستمرار المتنامي في تجريد العلوم... وهذا ما يقتضي من الإنسان أن يأخذ بعين الاعتبار خطورة التجريد العلمي، حيث إنه ساهم بقسط وافر في جعل البشرية تعيش، يوما بعد يوم، في العالم يزداد لا إنسانية. وإذا كان تنامي ذلك التجريد شرطا ضروريا للعلوم عامة وللعلوم الدقيقة خاصة، فإنه يشكل خطرا كبيرا على تربية الأطفال والشباب. إنه يهيئهم جدا لتعلم الرياضيات العليا مستقبلا، إن كانوا سيصبحون رياضيين أو فزيائيين أو مهندسين..، لكنه يعزز النزوع المؤدي إلى الجنون الذي يتميز به الناس في البلدان الأكثر تقدما. وهذا ما يشكل معضلة فلسفية أو أنثروبولوجية كبرى، الأمر الذي يجعل بعض التربويين والأدباء... يستمرون في طرح السؤال عن مدى حاجة تعليم التلميذ وإعداده الروحي لمنهجية تزداد تجريدا يوما بع يوم.

الدقة الصارمة غير مقبولة منطقيا، فالإغراق، مثلا، في تدقيق تعريف الكيلوغرام... هو أمر غير ذي جدوى، ولا يمكن تفسيره بشكل نهائي. ولماذا الاستمرار في تعليم مبادئ الفزياء مستخدمين المفاهيم التقليدية عن المكان والزمان، السابقة لنظرية ألبرت آينشتاين؟ لماذا الإصرار على المبالغة في تعريف وحدات القياس، وإهمال النقد العميق والخطير الذي تخضع له من قبل نظرية النسبية والأبحاث المعرفية الأخرى في نقد الفزياء من إدراك أن الدقة المطلقة مستحيلة، كما أنها أمر غير عملي. وفضلا عن كونها غير ممكنة معرفيا وتربويا بالنسبة لأطفال المدارس الابتدائية أو لتلاميذ الثانوي، فهي تساهم في تعزيز نزعة التجريد. وإذا كانت العلوم الدقيقة ليست في غنى عن هذه النزعة، فإن هذه الأخيرة تصبح مؤذية ومأساوية، لأنها تحول الإنسان إلى "آلة"، وتدفعه إلى الجنون...

المؤسسات التعليمية لا تكفي لتحقيق مجتمع المعرفة

·        دور الجامعة في تلقين المعارف

وقال عبد السلام الوزاني أن الجامعة أصبح لها عدة أدوار وظيفية في مقدمتها تلقين وتحويل المعارف، تم العمل على إنتاجها وتطويرها، والعمل على مساءلة آليات إنتاج هذه المعارف.

وأضاف أن التطورات مرتبطة بتكوين الوافدين عليها علميا وتقنيا ومهنيا، وأن المساءلة يجب أن تشمل كذلك آليات الأشغال لمعرفة مدى تطابق أدوارها مع المستجدات والتحديات الراهنة.

فحسب الوزاني فإن العالم يتغير باستمرار، وبسرعة كبيرة، لهذا فالطرق والنظم والآليات الجامعية تتأثر بذلك من حيث:

        تحديث الوظائف وتطويرها.

        تحيين نوعية الأدوار.

        إعادة توزيع الأدوار.

        مراقبة وتقييم مستمر لطريقة أشغال ديناميكية بكل الوظائف.

وطرح ثلاث أسئلة أساسية للنقاش:

1.    ما هي الآليات الجدية التي تستخدمها الجامعة ؟

2.    كيف تستقبل الجامعة الأفواج الجديدة ؟

3.    ما هي شروط الإستراتيجية الجديدة ؟

وحاول مقاربة الموضوع من خلال ثلاث مراحل تهم شروط التكوين.

1.    قبل التكوين: شروط قبلية.

خلال مرحلة الدراسة الثانوية، أكد الوزاني على ضرورة القيام بحملات تحسيسية بالمؤسسات الثانوية وذكر بأهمية نتائج البحث الميداني الذي قامت المؤسسات معنية بثانويات متعددة بالرباط وسلا، تمارة، والصخيرات، عين العودة حيث استهدف البحث مجموعة من تلاميذ مستوى الباكلوريا.

2.    أثناء التكوين:

وهي مرحلة ولوج التلاميذ إلى الجامعة، وفيها ينبغي – حسب ذ الوزاني – التركيز على آليات الإعلام والتوجيه والتواصل وذلك بخلق فضاءات جامعية للتوجيه المستمر ،فالمرحلة تعتبر تكميلية في مسار الطالب. وهي التي تؤهله لولوج عالم الشغل، خلال هذه المرحلة تمنح للطالب الشهادة الجامعية.

3.    بعد التكوين: شروط بعدية خلالها يتم تتبع مسار الطالب لمعرفة هل حصل على عمل أم ما زال معطلا.

اعتبر د. عبد اللطيف الشيادلي مدير المركز الدولي للتدبير والبيداغوجيات الجامعية أن التربية والتكوين أمران يفرضان تناولهما بالدرس من خلال ثلاث مقاربات:

1.  مقاربة العرض

تكون خلالها الدولة حاضنة للمعرفة، فدور المؤسسات التعليمية حسب الشيادلي يقتصر على عرض المعرفة ( الأساسي هو المضمون)، ويبقى دور الأستاذ فاعلا من حيث كونه مصدرا للمعرفة. فرسالة المعرفة تعتمد بعث الرسالة إلى أكثر من شخص ( طريقة التدريس بالمدرجات).

2.      مقاربة الطلب

وهي مقاربة بخلاف الأولى تهتم بالمتعلم. وأكد الشيادلي على أن بعض دراسات علم النفس التربوي خلصت إلا أن كل طالب أو تلميذ يمثل حالة خاصة، ولا يفكر والآخر بنفس الطريقة. لهذا فالمسؤول  على المنظومة التعليمية مفروض عليه أن يتعرف على الحاجات الحقيقية للمتعلم، ويتعامل بمنطلقات جديدة بالاعتماد على الفرد في تكوين مساره.

ونفرق في هذه المقاربة بين البيداغوجيا الفارقية والبيداغوجيا غير الموجهة.

3 .مقاربة الكفايات

وهي مرحلة ثالثة لتطور المؤسسات التعليمية، وذلك نزولا عند ضغوطات اقتصادية. فهي مرحلة تركز على التكوين انطلاقا من الكفايات الشخصية للمعلم والمؤسسة. و بالتالي فهي – حسب المتدخل. مرحلة للعبور من منظور التعليم إلى منظور التكوين. وهنا نحتاج إلى كفايات لدى الأستاذ ومنها أساسا كيفية بناء التكوين ( هندسة التكوين).

فالمؤسسة التعليمية وحدها لا تكفي، وأن المعرفة تأتي في مرحلة ثانية.

وحاول أن يعطي مثالا لذلك بالتجربة الكيبيكية ( نسبة إلى ولاية كيبيك بكندا ) حيث انتقلت من 1964 تاريخ إنشاء وزارة للتربية الوطنية من المقاربة الأولى إلى المقاربة الثالثة. مبررا ذلك بنهج ثلاث أساليب أساسية:

أ – أهمية القرار السياسي في مجال البحث والتكوين والبيداغوجيا.

ب – التكوين بين البحث والعمل البيداغوجي الذي يقوم به الأستاذ.

ـ الثورة الرقميــة ـ

    وانطلق بنشقرون في مداخلته في الحديث عن ثورة المعارف والمعلومات الرقمية والمعلوماتية متسائلا حول كيف توظيف ذلك لتنمية المعرفة، وعقلنة التدبير.

    وقال أن ما توفره الآن شبكة الانترنيت يتيح للفرد العديد من آليات التكوين، وفضل بنشقرون تمكين المستفيدين من الورشة من بعض الأرقام المعبرة: فعدد المستفيدين من الشبكة وصل إلى حوالي مليار مستفيد أي 1/6 سكان العالم، في المغرب عدد المستفيدين وصل إلى 4،5 مليون منهم 226.000 مشترك، ووصل عدد المواقع المنشأة 18.000 موقع وعدد الشركات المشتركة 40000، وعدد أندية الانترنيت 3000. ووقف عند آليات التكوين التي توفرها هذه الثورة المعلوماتية، والتي تتطلب فقط المبادرة الشخصية ومنها أساسا.

        التكوين الذاتي: حيث يمكن لأي فرد الاستفادة من البرامة المتوفرة والتي تحتوي على ملفات متعددة:

        التكوين عن بعد : فشبكة الانترنيت تجعل المعرفة موجودة في أي وقت، وحرة، ويبقى فقط الإقبال على طلبها وأخذ المبادرة. وأشار إلى وجود أكثر من 400 موقع فرناكوفوني مجاني، منها مواقع مختصة في التعليم، ومواقع مؤسساتية .

·        الاستفادة من المواقع الخاصة بالأشغال التطبيقية والتي توفر معلومات مختبيرة وهندسية، في الطب والهندسة.

·        المكتب والمحفظة الرقمية.

·        الترجمة.

·        المعرفة الكونية.

·        مواقع الندوات المباشرة.

·        مواقع التعليم الجامعي المتلفزة المباشرة .

وخلص الأستاذ بنشقرون إلى أن التكوين عن بعد، والإستفاذة من مختلف الوسائل المتعددة الاختصاصات والوسائط يمكن استعمالها في مجالي التربية والتكوين.

وتدخل مجموعة من المستفيدين في نهاية الورشة، وأغنوها بملاحظاتهم،

عن جريدة الاتحاد الاشتراكي>>

الرجوع