|
التحولات الكبرى للمسرح المغربي في الربع الأخير من القرن العشرين
في خمسينية
المسرح العمالي بوجدة
الأستاذ عبد الكريم برشيد: "إذا كان المسرح قد ازدهر في
مرحلة من المراحل فلكونه كان
مسرح قضية، وإذا غابت القضية غاب المسرح..."
وجدة:
سميرة البوشاوني
احتفاء بالذكرى الخمسينية لتأسيس المسرح العمالي، وتقديرا
لتشبث مؤسسيه ورواده وأبطاله بالمشروع المسرحي طوال
الخمسين سنة الماضية، نظمت مجموعة البحث والمبادرة لتنمية
شرق المغرب والمديرية الجهوية لوزارة الثقافة بتنسيق مع
الشبيبة العاملة المغربية، لقاء احتفاليا بالمسرح العمالي
بمدينة وجدة، والذي لازال مستمرا في عطائه الفني منذ سنة
1957 إلى يومنا هذا بأعمال ذاع صيتها، للإشادة بإبداعه
الفني في عالم المسرح تأليفا وإخراجا وتمثيلا وتنظيما، وقد
أغنى العديد من المؤلفين من أبناء الجهة الشرقية المسرح
العمالي بنصوص متميزة كالمرحوم محمد مسكين، الدكتور محمد
المعزوز والدكتور مصطفى الرمضاني وغيرهم، وقام بإخراج جل
أعمال المسرح العمالي بمدينة وجدة المخرج المقتدر يحيى
بودلال رئيس فرقة المسرح العمالي بالمدينة وإخراج واحد
للأستاذ محمد حفيان أمين الجمعية. وبهذه المناسبة قدمت
ندوة تحت عنوان "التحولات الكبرى للمسرح المغربي في الربع
الأخير من القرن العشرين" شارك فيها ثلة من الأساتذة
المهتمين من خلال عروض قيمة...
وبحضور نوعي متميز، افتتح اللقاء بكلمة لمجموعة البحث
والمبادرة لتنمية شرق المغرب تلاها عضو المجموعة رئيس فرع
اتحاد كتاب المغرب بالجهة الشرقية الدكتور يحيى عمارة،
الذي أشار إلى أن فرقة المسرح العمالي راسخة في ذاكرة
مدينة وجدة والجهة الشرقية ككل نظرا لإسهاماتها من الناحية
الثقافية في كتابة تاريخ المنطقة والمغرب ككل، وإغنائها
للساحة الأدبية والفنية المحلية والجهوية والوطنية
والمغاربية والعربية بريبرتوار درامي ثري بمكونات المسرح
الجيد، وبمقاييس النقد المسرحي القائم على الأسس الصحيحة،
بالرغم من تراكم العوائق الواقعية التي ما فتئ الفن
المسرحي، والثقافي بصفة عامة، يعاني منها. وأكد في هذا
الصدد، عزم مجموعة البحث والمبادرة لتنمية شرق المغرب،
تجديد اللقاء بالفن المسرحي والاستمرار في تشجيعه والوقوف
إلى جانب المسرح العمالي، والحث على ضرورة الاعتراف
بمجهودات المسرحيين بالجهة الشرقية الذين قدموا الشيء
الكثير للمسرح المغربي منذ بداية الاستقلال إلى الآن.
الأستاذ محمد حرفي أحد الفاعلين في الحقل المسرحي، قدم
شذرات من تاريخ المسرح المغربي والمسرح العمالي بصفة خاصة،
وأشار إلى أول مسرحية عرضت بمدينة وجدة، والتي كانت بتاريخ
18 نونبر 1955 بعد عودة المغفور له الملك محمد الخامس من
المنفى، تحت عنوان "الوعد الحق"، كما تطرق إلى ظروف تأسيس
المسرح العمالي سنة 1957 والمشاكل التي واجهها في ذلك
الحين.
أما الأستاذ عبد الكريم برشيد فقد أشار إلى أن المسرح
العمالي بمدينة وجدة استمر بها منذ أن رأى النور إلى يومنا
هذا، وكان مسرحا عماليا تجاوز شعار "الحرية"، الذي طرحه
المغرب قبل الاستقلال، إلى الحفاظ على الكرامة وتحقيق
العدالة الاجتماعية... وأكد على أن المسرح العمالي مسرح
قضية أعطى وجها جديدا للمسرح والثقافة المغربية، وكان وفيا
لروح المنطقة الشرقية، وكان مسرحا للنضال على المستوى
الاجتماعي والطبقة العمالية، ولذلك -يقول الأستاذ برشيد-
"نجد بأن مدينة وجدة لها مدرستها من خلال الثنائي المنسجم
محمد مسكين ويحيى بودلال، ومن خلال مجموعة رائعة أعطت وجها
آخرا للمسرح المغربي".
كما تطرق في خضم عرضه إلى راهن المسرح، حيث أشار إلى أن
المسرح المغربي أصبح يعرف انتكاسة كبيرة في السنوات
الأخيرة بسبب التشطيب على مسرح الهواة وتعويضه بمسرح
الشباب، وحرمانه من دعم وزارة الثقافة، الشيء الذي دفع
أغلب المسرحيين الهواة إلى الاحتراف مادام الدعم لا يعطى
إلا للمحترفين، وأضاف "إذا كان المسرح قد ازدهر في مرحلة
من المراحل فلكونه كان مسرح قضية، وإذا غابت القضية غاب
المسرح..."
وفي عرض للأستاذ مصطفى الرمضاني تطرق إلى التحولات
الإيجابية والسلبية التي عرفها المسرح المغربي وخصوصا
بالجهة الشرقية، فمن أهم التحولات الإيجابية قدم الأستاذ
الرمضاني إحصائيات ونسبا، حيث أشار إلى أن الجهة الشرقية
كان لها الفضل في تأثيث 75% من الحس الجمالي بالمغرب، وأن
60% من الجوائز حصلت عليها جمعيات من الجهة الشرقية، و33%
من الجوائز المحصل عليها في المهرجانات الوطنية عادت إلى
مبدعين ينحدرون من مدن الجهة الشرقية (وجدة، بركان، أحفير،
جرادة...)، وفيما يخص جوائز التأليف المسرحي ذكر بأن 60%
منها حصل عليها كتاب ينتمون للمنطقة الشرقية كالمرحوم محمد
مسكين، محمد المعزوز وحسن لمراني... كما أشار إلى أن
المسرح العمالي لمدينة وجدة حصل، في كل المهرجانات التي
شارك فيها، على جوائز إما في النص أو الإخراج أو التشخيص
أو السينوغرافيا.
هذا في ما يتعلق بالتحولات الإيجابية، أما السلبية فتتجلى
بالأساس –حسب الأستاذ الرمضاني- في هدم المركب الثقافي
بمدينة وجدة وغياب أماكن للتدريب المسرحي، عدا دور الشباب،
واندثار مهرجان وجدة، ودعا في هذا الإطار إلى إعادة النظر
في بناء مركب ثقافي يليق بمستوى المدينة الفني، وضرورة
العمل على استعادة المهرجان الدولي للمدينة، وذلك من أجل
لم شمل ما تفرق من المسرحيين، لأن المسرح والثقافة بصفة
عامة –يقول الأستاذ مصطفى الرمضاني- "هي أساس التنمية
مادامت ترتبط بالإنسان، ولا يمكن للقاطرة أن تتحرك بغير
عقل مدبر وضمير يراعي شروط الإنسان والمجتمع".
رئيس المسرح العمالي يحيى بودلال، قدم عرضا شمل نبذة من
تاريخ المسرح العمالي والتحولات الكبيرة التي عرفتها جميع
المستويات الثقافية بداية السبعينات، والقناعات الفلسفية
التي دفعته إلى العمل مع المرحوم محمد مسكين من أجل تطوير
العمل المسرحي والتأسيس له في إطار المسرح العمالي.
المبدع والمخرج المسرحي، رئيس فرقة المسرح "الطلائعي"
سابقا الأستاذ عمر درويش أكد على أن الاحتفاء بالمسرح
العمالي في ذكراه الذهبية هو احتفاء بالإبداع والإنتاج،
وتحدث بدوره عن بعض الانتكاسات والتحولات التي عرفها الربع
الأخير من القرن الماضي وخاصة فيما يتعلق بالبنيات
الأساسية، حيث أشار إلى هدم جميع مقرات المسرح بمدينة وجدة
وإقبار مهرجانها وحذف المنح التي كانت تعطى من قبل
البلدية، وبالتالي –يقول الأستاذ درويش- "أصبح المسرحيون
بدون مقر ولا دعم على الرغم من الطاقات والمبدعين
والمجهودات التي تبذل في هذا المجال وكأن شيئا متعمدا يقع
بهذه المدينة!".
وفي ختام الندوة وزعت شواهد تقديرية على أعضاء فرقة المسرح
العمالي بمدينة وجدة، وتم تنظيم معرضا للصور وعرض مسرحية
"تراجيديا السيف الخشبي"...
|